فوزي آل سيف
96
أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة
فانبعث أمير المؤمنين عليه السلام وقد أعد للحرب عدتها، ليقمع نائرة الناكثين، وها هو قد وصل إلى البصرة يعرض عسكره في المعركة كما ذكر أحد الرواة وفيه إشارة لموضع الحسنين عليهما السلام: ".. ثم مر بنا موكب تاسع، فيه خلق عظيم، مكملين بالسلاح والحديد، مختلفي التيجان والرايات، تقدمهم راية كبيرة عظيمة، في أولهم فارس، كأنما قد كُسر وجُبر (تعبير عن الإطراق في الأرض والجسارة على القتال)، كأن على رؤوسهم الطير، فعن يمينه شاب حسن الوجه، وعن شماله مثله، وبين يديه شاب ليس هو ببعيد منهما. فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لي: أما الأوسط فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وأما الشاب الذي على يمنيه ابنه الحسن عليه السلام، والذي عن شماله ابنه الحسين عليه السلام، وأما الذي بين يديه حامل الراية فابنه محمد بن الحنفية، فساروا حتى نزلوا بالزاوية، فصلى أمير المؤمنين عليه السلام أربع ركعات، ثم عفر خديه على التراب وخالطهما بدموعه..".[146] وكان متقدماً في المعركة مبادراً إلى القتال حتى أن أمير المؤمنين عليه السلام وقد رأى شدة اندفاعه وأخيه الحسن المجتبى عليهما السلام، كان يقول:" أَيُّهَا النَّاس امْلِكُوا عَنِّي هَذَيْنِ الغُلَامَينِ فَإِنِّي أَنْفَسُ بِهِم عَنِ المَوْتِ لِكَيلَا يَنْقَطِعَ نَسْلُ رَسُولِ اللهِ". وعندما قامت القاسطة الظالمة[147] من أهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان واستعدت للقتال في صفين، واجتمع إلى امير المؤمنين عليه السلام أنصاره وكان أكثرهم قد نهضوا من الكوفة، فقام فيهم الحسين بن علي(عليهما السلام) خطيباً، " فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا أهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء، والشعار دون الدثار، جدوا في إحياء ما دثر بينكم، وإسهال ما توعر عليكم، وألفة ما ذاع منكم. ألا إن الحرب شرها ذريع، وطعمها فظيع، وهي جرع متحساة، فمن أخذ لها أهبتها، واستعد لها عدتها، ولم
--> 146 المدني، ضامن بن شدقم الحسيني، وقعة الجمل / ١٢٥ 147 (من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: "فلمّا نهضتُ بالأمر نكثت طائفة، ومرقت اُخرى، وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه يقول: (تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).